أبي منصور محمد الماتريدي السمرقندي الأنصاري

137

التوحيد

الأمر والنهي ، والوعد والوعيد ، فيما ليس بمحسوس دليله ، لا وجه لإدراكه إلا بالخبر ، وذلك نحو المباح والمحظور ، وما فيه كل شيء من مختلف الأحوال ، فيلزم في نحو هذا القول بالخبر ، وفيه إيجاب القول بالرسالة . ثم الأصول ثلاثة : ممتنع وواجب وواسط وهو الممكن ، وعلى ذلك جميع أمر العالم . فالواجب في العقل على جهة لا يجوز مجيء الخبر بغيره ، وكذلك الممتنع ، ويجيء في الممكن ؛ إذ هو المنقلب من حال إلى حال ، ويد إلى يد ، وملك إلى ملك ، وفي ذلك ليس في العقل إيجاب جهة ولا امتناع من جهة فتجيء الرسل ببيان الأولى من ذلك في كل حال ، واللّه الموفق . وما ذكر في الآيات ، فإن لكل من ذلك علامة تعلم ، وآية تظهر ، مع ما كانت المعارضة فاسدة ؛ لأنه لا يخلو من أن يكون يصدّق أحد في الخبر ، فيكون ذلك السؤال عليه ، أو لا يقر بشيء البتة ، وفي ذلك سقوط خبره هذا عن نفسه . مع ما كانت المقابلات بالخروج على غير الحقائق من طريق العيان أظهر مما قال . ثم لم يجب به نفي علم العيان ، كيف وجب ما ذكر ، وما ذكر من غير عصر الرسل فذلك كلام في قبول الأخبار يلزمه من وجه يضطر إليه ، فيبطل سعيه . ويناظر فيما قال : إنه مما يحرمه العقل من المديح حق لمن ذلك علمه مما يوجب العقل أو الطبيعة أن يجعل الكل ما حوته نفسه وما نفرت عنه طبيعته بصده ، فيقلب الأحكام عن حقائقها ، ويبيّن أنه عن جهل بالعقل خرجت قضاياه ، فحق مثله أن يعلم حقيقة العقل ، فيبطل بحكمه ويمقت نفسه بجهله العقل من الهوى ، واللّه الموفق . ثم لو كان في العقل الغنى عنه لجائز إرسال الرسل من طريق الأفضال ؛ إذ اللّه موصوف معروف الإحسان ، فيه تتقلب عباده ، وما من نعمة للّه تعالى إلا وللّه تعالى على عباده فضل زينهم وجمالهم ، نحو الأذنين والعينين ، وكل ذي عدد في الجسد ، ثم في كثرة النعم ، في كثرة ما أنشأ من دلائل التوحيد والرسالة ، وإن كان بدون ذلك كفاية ، ثم بكثرة الفواكه والملاذّ ، وإن كان القليل من ذلك كافيا . وبعد ، لو كان بالعقل كفاية فهو يسده الحد في ذلك والتعاون بأنواع واستشارة أهل النظر فيما خصّ اللّه لهم وأزاح عنهم الإشكال ، ثم الاجتهاد الوافر له يبذل فيه كل مجهود ، فكان في إرسال الرسل تيسير عليهم وتخفيف ، وذلك من عظيم المنن ، فكفران مثله يدل على حمق الرجل وجهله بالمنن حتى عدها بلاء . مع ما للعقول أشغال وللأنفس أهواء يستر العقول ، فإرسال الرسل معونة لهم وإرشاد ، وذلك هو الذي جبلت العقول على حبّه . مع ما فيه تذكير وتنبيه وتحذير لوجه التقصير ، فيكون ذلك مما يحثّ على النظر ويدعو إلى الفكر واستعمال العقول ، وذلك معروف في جميع أمور الدنيا وسياسات الملك . مع ما جعل الهوى منازعا له ، وقد جعل للهوى